الجصاص

109

أحكام القرآن

لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله وصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة ، لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع كلام الله . وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه شيئا من أمور الدين ، لأن الكافر الذي استجارنا ليسمع كلام الله إنما قصد التماس معرفة صحة الدين . مطلب : يجب على الإمام حفظ أهل الذمة وقوله تعالى : ( ثم أبلغه مأمنه ) يدل على أن على الإمام حفظ هذا الحربي المستجير وحياطته ومنع الناس من تناوله بشر ، لقوله : ( فأجره ) وقوله : ( ثم أبلغه مأمنه ) ، وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة والمنع من أذيتهم والتخطي إلى ظلمهم . وفيه الدلالة على أنه لا يجوز إقرار الحربي في دار الاسلام مدة طويلة ، وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار قضاء حاجته ، لقوله تعالى : ( حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) فأمر برده إلى دار الحرب بعد سماعه كلام الله ، وكذلك قال أصحابنا : لا ينبغي للإمام أن يترك الحربي في دار الاسلام مقيما بغير عذر ولا سبب يوجب إقامته ، وأن عليه أن يتقدم إليه بالخروج إلى داره ، فإن أقام بعد التقدم إليه سنة في دار الاسلام صار ذميا ووضع عليه الخراج . قوله تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) . قال أبو بكر : ابتداء السورة يذكر قطع العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين بقوله : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) ، وقد قيل إن هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد فغدروا وأسروا وهموا به ، فأمر الله نبيه بالنبذ إليهم ظاهرا ، وفسخ لهم في مدة أربعة أشهر بقوله : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) . وقيل : إنه أراد العهد الذي كان بينه وبين المشركين عامة في أن لا يمنع أحد من المشركين من دخوله مكة للحج وأن لا يقاتلوا ولا يقتلوا في الشهر الحرام ، فكان قوله : ( براءة من الله ورسوله ) في أحد هذين الفريقين ، ثم استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم وبين رسول الله عهد خاص ولم يغدروا ولم يهموا به فقال : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) ففرق بين حكم هؤلاء الذين ثبتوا على عهدهم ولم ينقصوهم ولم يعاونوا أعداءهم عليهم وأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم ، وأمر بالنبذ إلى الأولين ، وهم أحد